تراجع الإيجارات والاقتصاد الكلّي !

تراجع الإيجارات والاقتصاد الكلّي


رغم أن تراجع أسعار الأصول العقارية وإيجاراتها الناتج عن "الأزمة المالية العالمية" يبدو أمراً سلبياً من وجهة نظر العالمين بالقطاع العقاري، فإن هذا التراجع يعدّ أمراً إيجابياً من وجهة نظر الاقتصاد الكلّي، لما له من تأثير إيجابي في تكاليف الإنتاج والتشغيل وظروف المعيشة. وتنطبق هذه القواعد بالطبع على ما يحدث حالياً في أسواق العقارات بإمارة أبوظبي، التي شهدت تراجعات تتراوح بين 20 و40 في المئة ببعض المناطق مقارنة بالمستويات القصوى التي كانت قد بلغتها في عام 2008، في خضم موجة الصعود التي شهدتها الأسعار والإيجارات آنذاك، والتي لم تكن مقصورةً على أسواق إمارة أبوظبي بمفردها، وإنما كانت موجة شاملة لمجمل أسواق العقارات في الدولة والمنطقة ومعظم دول العالم الأخرى.


وإذا كانت التراجعات التي شهدتها قيم الأصول العقارية وإيجاراتها في إمارة أبوظبي على مدار العامين الماضيين قد ضغطت بشكل ما على ميزانيات وبالتالي على أرباح الشركات والمطوّرين العقاريين وملاّك العقارات، إلى جانب الوسطاء العقاريين، الأمر الذي دفع بعضهم إلى التريث بعض الشيء قبل الدخول في مشروعات جديدة، فإن هذه التراجعات من ناحية لم تتسبب حتى الآن في خسائر كبيرة بالنسبة لمعظم هذه الأطراف، وما زالت السوق بالنسبة إليهم تعدّ سوقاً آمنة.
ومن ناحية أخرى وهي الأهم فقد نتج عن التراجعات التي شهدتها أسعار الأصول العقارية وإيجاراتها في إمارة أبوظبي العديد من الإيجابيات الاقتصادية على المستوى الكلّي، حيث أن تزامن هذه التراجعات مع استمرار النمو الاقتصادي في الإمارة واحتفاظ المناخ الاستثماري لديها برصيد جيد من الفرص الاستثمارية، جعل من تراجع تكلفة الأصول العقارية عاملاً جاذباً أمام المستثمرين سواء في الأنشطة الإنتاجية أو الأنشطة التجارية أو حتى بالنسبة للمستثمرين العقاريين ذاتهم، من خلال تقليص بنود تأجير مقار ممارسة هذه الأنشطة ضمن بنود التكاليف التشغيلية، وهو ما انعكس إيجابياً بالطبع على الجدوى الاقتصادية للفرص الاستثمارية المتاحة في الإمارة.
ويحدث ذلك بالتوازي مع التحسّن في مستوى معيشة سكان إمارة أبوظبي، فبعد أن كانت إيجارات المساكن تمتص ما يتراوح بين 30 و50 في المئة من ميزانية بعض الأسر في الإمارة، فإن تراجع إيجارات المساكن بالنسب المذكورة آنفاً، من شأنه أن يقلّص تكاليف السكن إلى ما يتراوح بين 20 و35 في المئة، ليقترب كثيراً من المستويات المقبولة وفقاً للمعايير الاقتصادية والديموغرافية. هذا على مستوى المعايير الكميّة، أما على مستوى المعايير الكيفيّة فقد شهدت الفترة الماضية، وبناءً على دراسات مسحية قامت بها شركة "أستيكو للخدمات العقارية" مؤخراً، لآراء عيّنة من شركات الوساطة العقارية العاملة في الإمارة، ظهور مجموعة من المؤشرات ذات الدلالة الإيجابية في هذا الشأن، من قبيل اختفاء ظاهرة المسكن المشترك بين أكثر من عائلة، وتراجع أعداد الأسر التي تسكن في شقق غير نظامية داخل الفلل، إلى جانب عدد آخر من المؤشرات ذات الدلالات الإيجابية في ما يتعلّق بالمستوى المعيشي للسكان.
وفي المجمل فإن هذه التغيّرات الإيجابية الناتجة عن تراجع أسعار العقارات وإيجاراتها في أبوظبي، كتراجع التكاليف التشغيلية للأنشطة الاقتصادية، وتراجع تكاليف المساكن، سيؤدّي بدوره إلى تحسين ظروف الأداء الاقتصادي الكلّي في الإمارة، وسيوفر فرصاً أكبر للنمو الاقتصادي مستقبلاً، ويجعل المناخ الاستثماري أكثر جاذبية، وسيعود بالفائدة على جميع الأنشطة الاقتصادية بما فيها الأنشطة المرتبطة بالقطاع العقاري ذاته.